‏إظهار الرسائل ذات التسميات By \ Ahmed Faheem. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات By \ Ahmed Faheem. إظهار كافة الرسائل

المفهوم الشعبي و الكهنوتي للألوهية في عصر الرعامسة في مدينة طيبة


المفهوم الشعبي و الكهنوتي للألوهية في عصر الرعامسة في مدينة طيبة
 .....................................................................................
.ظهر مفهوم الإله في عصر الرعامسة و هو يحتل سمات الملكية بمفهومها الذي كانت قد روجت له منذ عصر الدولة الوسطى ، فالإله في عصر الرعامسة هو ( أب لليتامى ) و ( زوج للأرامل ) و ( ملجأ للمكروبين ) و ( نصير الفقراء ) فهو الذي يقوم بإنقاذ البؤساء ممن هم أقوى منهم . و من جانب آخر ظهر الفرد المتدين في عصر الرعامسة بوصفه فقيرا و ضعيفا مما يجعله في حاجة ماسة لحماية الإله بصرف النظر عن مكانته الإجتماعية الحقيقية فلا ينبغي إضفاء صفة الصدق المطلق لأصحاب نصوص الأدعية التي يتوجهون من خلالها لأربابهم و لذلك فقد ظهرت عبارات دينية بعد عصر العمارنة تكشف صراحة عن أن أصحابها يبحثون عن مفهوم ( حماية الإله ) فقط و ليست هذه الحماية يمكن طلبها أو توجيهها لأحد آخر في عالم الدنيا ، فنقرأ على سبيل المثال في نصوص ذلك العصر :
" لم أبحث عن حام لي بين الناس ، فالإله ( آمون ) – و في نصوص أخرى ترجع لذات العصر ( بتاح ) – هو حاميني "
يتضح لنا من هذه العبارة و ما شابهها من عبارات أخرى مماثلة لها ظهرت في نفس العصر أن الفرد المتدين لم يعد يتحدث عن ( ماعت ) و لم يعد يضع ثقته في ( ماعت ) و لا سيما خلال عصر الرعامسة فمما لاريب فيه أن المحقق لدور ماعت التاريخي في حضارة مصر قبل ذلك العصر يكتشف أنها العمل الذي كان يوحي به دائما قلب الإنسان ، فلا عمل طيب دون فكرة نابعة من القلب و لا قلب دون أن يمتليء بالماعت ، فالعمل الطيب هو فعل منبثق من القلب المليء بماعت ، فكانت هذه هي الرسالة الحضارية طوال عصر الدولة الوسطى و حتى ما قبل عصر العمارنة ، إلا أن ( ماعت ) في نصوص الرعامسة و لاسيما في مدينة طيبة تكاد تختفي تماما و لا وجود لها في ذهنية كهنة و شعب مدينة طيبة إلا فيما ندر و لذلك يتجه المرء في طيبة لعالم الآلهة كبديل لمفهوم الماعت التي تأثرت كثيرا من أضرار السياسة الملكية للعمارنة .
لم يعد الخلاص يتحقق بتطبيق ماعت التي كانت تعمل على وضع الفرد المتدين في مساره الصحيح ، بل أصبح الخلاص مرتبطا بالخضوع لإرادة الإله و من هنا ينبغي للفرد أن يثق في حمايته له تماما مثلما كانت تنادي النصوص المصرية في عصر الرعامسة في مدينة طيبة طائفة من الناس الذين وصفتهم بأنهم " الذين يضعون أنفسهم في يد الإله " إلا أن الدارس يود أن يؤكد على حقيقة هامة و هي : إن وضع الفرد المتدين لذاته في يد الإله الذي يتولى رعايته و حمايته كان أمرا معروفا منذ بدايات عصر الأسرة الثامنة عشرة و لاسيما في مدينة طيبة فهناك بواكير و إرهاصات أولى لذلك المفهوم منذ تلك الفترة و لكن هذا المفهوم بلغ الذروة القصوى في عصر الرعامسة فلا يكاد يخلو نص من تلك الفكرة .
ما هي القرائن التي تؤكد على ذلك المفهوم ؟ ....... من الدلائل التي نسوقها على صحة النتائج السابقة هو ما ورد في اللوحة الخشبية للموظف ( آمون إم إيبت ) المحفوظة حاليا في متحف برلين ( رقم 6910 ) و الذي تم دفنه في دير المدينة و كان قد عاش في عصر الملك سيتي الأول ، حيث يقول هذا الموظف في لوحته :
" كم هو جميل الجلوس بين يدي آمون حامي الصامتين و منقذ الفقراء و الذي يرشده – يرشد صاحب اللوحة – إلى عمر طويل في غرب طيبة ، النعيم لمن وصل الغرب لكي يكون سعيدا بين يدي الإله " .
من الممكن أن نستقي بعض الملاحظات الهامة من هذا النص الأخير تتمثل فيما يلي :
1 – لا وجود لمفهوم الماعت التي ينبغي العمل بها في عالم الدنيا لكي ترافق صاحبها في العالم الآخر .
 2 – لا حديث عن الملك أو الملكية التي تتحكم في مصير الفرد المتدين في العالم الآخر ، فصاحب اللوحة أو المقبرة ليس من المطلوب منه أن يضع الملك في قلبه أو يجلس بين يديه و إنما يسعى للجلوس بين يدي آمون لكي يحظى بنعيم عالم الغرب .
 3 – أن المعبود ( آمون ) و ليس ( أوزير ) و لا سيما في مدينة طيبة بالنسبة لعدد كبير من أهلها ، هو الذي يرشد المتوفى إلى عمر طويل في غرب طيبة ، فالغرب في طيبة بالنسبة له يقع تحت السيطرة الحصرية لآمون و هنا لا وجود لعالم آخر أوزيري و لا حديث عن محكمة أخروية أوزيرية و لا وجود للقب ( ماع خرو ) بمعنى صادق الصوت و هو اللقب الذي حاز عليه أوزير في العالم الآخر بعد تبرئته في المحكمة الأخروية .
 و لكي تصبح الصورة الدينية الشعبية الكهنوتية أكثر وضوحا و قوة في مدينة طيبة نستشهد بقرينة أخرى وردت في قبر الموظف – كيكي – في غرب طيبة في عصر الرعامسة ، حيث قام هذا الموظف بتسليم كل ممتلكاته إلى الإلهة ( موت ) و جعلها الإلهة الوحيدة الحامية له خلال حياته فضلا عن رعايتها له بعد مماته فنقرأ في قبره ما يؤكد صحة الإستنتاجات السابقة :
 " و عندما قام هو بالتفكير مع نفسه – صاحب القبر – عسى أن يجد له وليا ، وجد ( موت ) على قمة الآلهة ، و كان المصير و النجاح بيدها ، و الحياة و الهواء تحت تصرفها ، و كل ما يحدث لا يحدث إلا بأمرها " ثم قال " أريد أن أضع كل ممتلكاتي تحت يديها فهي قد أخذت مني الخوف و حمتني ساعة العوز ( الفقر ) و أنا ضعيف في أرضها و أحد الفقراء الذين يحجون لمدينتها ( معبدها و كل ما يتعلق به ) و لم أتخذ من البشر أحدا لحمايتي و لم أبحث بين الكبار عن ولي يحميني و لم أجد إبنا لي ينظم عملية دفني ، فمسألة دفني هي رهينة بيدي ( موت ) و من يتخذ ( موت ) حامية له فلا يوجد إله يهاجمه و لا يمسه أي سوء و سيصبح سيد القبر و لا يعرف الموت "
 يتضح لنا من هذا النص الأخير نتائج هامة تتمثل فيما يلي :
 1 – إن الحديث عن إتخاذ إله أو إلهة كولي و كحامي و كملجأ للفرد المتدين لا ينبغي فهمه بالشكل المجازي و لا سيما في عصر الرعامسة ، فالفرد المتدين عندما يسمي الإله أو الإلهة أب أو أم له فهو كذلك في عالمه الحقيقي و هو هنا يؤكد على هذه الأبوة أو الأمومة الإلهية عندما يعترف و يقر بها في النص ، فالإله في عصر الرعامسة أصبح بالنسبة لشرائح متعددة من مجتمع طيبة وليا و سيدا و حاميا للفرد المتدين و لا سيما عندما يقول في النص " لم أتخذ من البشر أحدا لحمايتي و لم أبحث بين الكبار عن و لي يحميني "
 2 – تحول مفهوم التدين الشعبي و الكهنوتي نحو الإله و تحل هنا إرادة الإله محل مفهوم ماعت ، فلم تعد ماعت تلعب الدور الرئيسي في العالم الآخر بالنسبة لهذه الشرائح من المجتمع الطيبي و لم تظهر ماعت بوصفها تهبط لعالمه الأخروي حتى يسعد بها مثلما كانت النصوص تؤكد على ذلك المفهوم من قبل .
 3 – يكفي صاحب المقبرة أن يتخذ من موت حامية له حتى لا يهاجمه أي إله آخر ، فالمعبودة ( موت ) بالنسبة له هي التي تحميه في عالمه الدنيوي و الأخروي و لا حديث هنا عن ( آمون ) أو ( رع ) أو ( أوزير ) أو أي إله آخر الأمر الذي يكشف عن حقيقة هامة : أن بعض شرائح المجتمع الطيبي في عصر الرعامسة لم يعبر عن إيمانه بأن هذه الآلهة الأخرى كان لها سلطان عليها في عالمها الدنيوي و الأخروي مما يشير إلى نتيجة أخرى :
 " أن الإيمان بدور هذه المعبودات الأخرى لم يكن حقيقة أو حتمية ثقافية مطلقة و ملزمة للجميع ، بل هي حقيقة نسبية و لم تكن كل الأفكار التي تتعلق بمعبود بعينه ملزمة إلزاما حتميا بالتصديق و الإيمان بالنسبة لفئات أخرى من المجتمع "
 4 – يختفي هنا من هذا النص مفهوم الملكية التي كانت موجودة قبل عصر الرعامسة بوصفها المتحكمة في سعادة الفرد في عالمه الدنيوي و المتحكمة و المهيمنة على مصيره الأخروي فلا حديث عن الملك الحاكم في مدينة طيبة عند هؤلاء الأفراد في عصر الرعامسة لا في عالم الدنيا و لا في العالم الآخر .
 5 – لا يتحدث صاحب المقبرة عن عن إنجازاته في عالم الدنيا التي جعلته مؤهلا لكي ينال الخلاص في عالمه الأخروي و لا يشير إلى أنه قام بإطعام الجائع أو أنه منح الجعة أو الشراب لمن لا يملك أو أنه أعطى تابوتا لمن لا تابوت له أو أنه قام برعاية الأرامل أو الفقراء و لا يتحدث عن محكمة المعبود أوزير التي من المفترض أن يلقاها عندما لعالم الغرب الأخروي ، فكل ما سبق لا وجود له في نص هذه المقبرة ، بل يكتفي بالتعبير عن ورعه و تقواه و ثقته التي وضعها في يدي الإلهة ( موت ) التي إتخذها ولية و حامية وحيدة و لا أحد سواها في عالمه الدنيوي و الأخروي " فمن يتخذها حامية له " مثلما يقول " ليس هناك إله آخر يهاجمه " .
 6 – وصف المتوفى نفسه بأنه " أحد الفقراء الذين يحجون لمدينتها و أنها قامت بحمايته في ساعة العوز ( الفقر ) " و هنا لا ينبغي أن نأخذ بحرفية النص الذي يزعم صاحبه أنه كان فقيرا مما إستوجب حمايتها له في ساعة العوز ، فمثل هذه النصوص تركز على أمر آخر و هو " كلما كان الفرد المتدين فقيرا كلما إشتدت حاجته الماسه لموت التي تحميه من أضرار و عواقب الفقر ، بصرف النظر عن مكانته الإجتماعية الحقيقية فلا علاقة بذلك بوضع الإنسان الإجتماعي الفعلي في عالم الدنيا و الدليل على ذلك أنه يقول في سياق آخر " أريد أن أضع كل ممتلكاتي في يدي الإلهة موت " ، مما يعني وجود ممتلكات لصاحب القبر و هو الأمر الذي يتعارض مع مفهوم الفقر المطلق إذا ما تم إدراك النص بظاهره و حرفيته .
 و لكن و برغم ما تقدم من معطيات و نتائج يطرحها صاحب هذه الدراسة إلا أنه يلقي الضوء على حقيقة أخرى :
 " أن إتجاه الورع و التدين الشعبي نحو آمون كان أكثر عمقا و إنتشارا من التيار الفكري الذي أعلن عن ولائه و تدينه نحو الإلهة موت في عصر الرعامسة في مدينة طيبة حيث وجهت الدعوات و الأمنيات و التراتيل له أكثر مما وجهت لقرينته موت ، فنقرأ على سبيل المثال في اللوحة الخشبية للموظف ( آمون إم إيبت ) :
 " لقد مكثت بالأمس و اليوم في يد آمون و قد شعرت بالنجاة و بقوة خطته و من يتخذ لنفسه وليا بين الناس تفشل خططه ، أما أنا فقد جعلني آمون منحدرا منه و به وجدت الخير "
 و مما لاريب فيه أن جميع هذه النصوص الدينية التي عبرت عن ورع و تقوى أصحابها تجاه آمون في طيبة كشفت عن مفهوم ( تدخل الإله آمون في حياة الناس و مصائرهم ) فالإله ( و لاسيما آمون ) هو من يعمل تاريخيا في حياة البشر ( مجتمع طيبة ) و هو الذي يرشدهم نحو درب الخير و الخلاص ، و هو الأمر الذي مهد تدريجيا نحو بزوغ مفهوم ( دولة الإله آمون في طيبة ) في نهاية عصر الرعامسة فقد تكونت في نهاية الأسرة عشرين في مدينة طيبة دولة إلهية يتصدرها المعبود آمون الذي صار يحكم بين الناس من خلال ما يعرف بظاهرة ( العرافة و النبوءة و الوحي ) و هي الظاهرة المجتمعية الشعبية الكهنوتية التي كانت معروفة قبل عصر الرعامسة و زاد تأثيرها الديني فيما بعد ، حيث كان يخرج موكب آمون المقدس من الكرنك خلال الأعياد و المناسبات الإلهية ، الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى ظهور نتيجة أنثروبولوجية ثقافية هامة و هي :
 " بعدما كان الملك الحاكم هو الصورة المقدسة للإله على الأرض أصبح الإله ( و لاسيما آمون ) هو الملك الذي يحكم بين الناس في نهاية عصر الرعامسة مما نتج عنه ظهور دولة الإله في طيبة على هيئة و شكل ( الحكم الديني المباشر لآمون ) من خلال ظاهرة العرافة و النبوءة و الوحي "
 و تزامن ذلك كله مع إنحلال السلطة الملكية للرعامسة في نهاية الأسرة عشرين و بداية إنتقال مصر لمرحلة تاريخية جديدة و هي عصر الإنتقال الثالث الذي تميز باللامركزية و عدم وجود سلطة ملكية موحدة في البلاد و تأكيدا على المفهوم السابق طرحه نقرأ على سبيل المثال في نصوص تلك الفترة :
 " قوي هو ( آمون ) في حكمه أقوى من سخمت ، كالنار في العاصفة و هو الذي يقوم بإمداد و تموين كل من يعبده و هو الذي يشفي من الألم و يرى كل الناس و يسمع الملايين منهم و هو الذي يمضي في السماء و يجوب العالم الآخر لكي يضيء كلا العالمين من أجل مخلوقاته و هو آمون رع ( ملك مصر العليا و السفلى ) و هو الذي يهب العمر و يضاعف السنين لكل من كان تحت رحمته و نعمته "
 يتضح لنا مما تقدم أن أحد الدوافع الرئيسية وراء ظهور و تنامي و إزدياد ظاهرة الورع الشعبي و الكهنوتي نحو المعبود آمون في طيبة في عصر الرعامسة هو الممارسة المجتمعية الدينية لخروج مواكب آمون المقدسة التي كانت تتجه إما للبر الغربي في عيد الوادي الجميل أو إلى معبد الأقصر في عيد الأوبت ، فتحولت مثل هذه الأعياد إلى مجال لإتصال القوم في طيبة بمعبودهم روحيا و أصبحت المجال الوحيد الذي يرى فيه الناس بهاء و روعة ربهم آمون كحاكم لمدينته حيث يمارس سلطته على الجميع و يعد أتباعه بالخلاص إن إتبعوه و قدسوه و من هنا تجاوب أنصاره و كهنته مع هذا الورع الشعبي فأضفوا عليه من الصفات ما تقدم ذكره و تحول آمون إلى إله يتدخل تاريخيا و روحيا في حياة و مصائر الناس الأمر الذي مكنه من إنشاء دولة روحية له ذات طابع سياسي ، فصار هو ملك مصر العليا و السفلى المهيمن على كل شيء في الوجود

( الملك مينا / مني .... حقيقة أم أسطورة ؟ )



(  الملك مينا / مني .... حقيقة أم أسطورة ؟ ) 
......... يحاول الدارس من  خلال هذا المقال أن يتناول القضية الشهيرة للملك مينا أو مني ، و هى  الإشكالية التى تناولها علماء المصريات الأوائل و من تولوا الراية بعدهم و  هى لا زالت حتى الآن مثار جدل لم ينتهى بين الباحثين و لا يفوتنى فى هذا  الصدد أن أهدى هذه الدراسة للأستاذ المحترم و الصديق العزيز ( ماجد حسيب )  نظرا لما يقوم به من مجهود علمى واضح لخدمة الجميع . تجدر الإشارة إلى أن  عدد كبير من الدارسين إتجه فى بادىء الأمر إلى إعتبار الملك مينا / مني  حقيقة تاريخية بناءا على مايلى :
 1 - ظهور إسم الملك ( مني ) فى قوائم الملوك التى ترجع لعصر الدولة الحديثة .
2 - ظهور المنطوق اللفظى ( مني ) على بعض آثار الأسرة الأولى .
3 -  ماورد فى مصادر المؤرخين فى العصر المتأخر و لاسيما ( هيرودوت ) الذى  تحدث عنه كأول ملك وحد الأرضين و قام بتأسيس العاصمة ( منف )
4 - نسب له البعض مقبرة فى ( نقادة ) و نسب له آخرون مقبرة فى ( سقارة )
و فى مرحلة لاحقة ظهر فريق من الباحثين و حاول أن يعتبر ( مني ) و ( نعرمر  ) و ( حور عحا ) ملك واحد ثم ظهر فريق آخر و تبنى رأيا مفاده أن ( مني )  هو ( نعرمر ) الذى أسس مدينة ( منف ) و أن ( حور عحا ) هو من تولى زمام  الأمور من بعده كإبن و وريث شرعى له ... و هنا ينبغى أن نشير إلى وجود عدد  من الحقائق الهامة التى كشفت عنها الدراسات و المقالات العلمية الحديثة  تمثلت فيما يلي :
1 - لا يمكن أن يكون ( نعرمر ) هو ( مني ) ، فإذا  كان ( مني ) هو مؤسس مدينة ( منف ) طبقا لما ورد عند ( هيرودوت ) ، فكيف  يختفي إسم ( نعرمر ) من جبانة سقارة ؟ فلا وجود لإسم نعرمر فى الجبانة  المنفية
2 - لا يوجد أثر واحد يجمع بين ( مني ) و ( نعرمر ) و ( حور  عحا ) ، الأمر الذى يعكس أن هناك شكا كبيرا فى إعتبار الثلاثة شخصا واحدا
3 - من الصعب أن نعتبر ( نعرمر ) هو ذاته ( حور عحا ) و ذلك لعدم وجود أى  أثر يجمع بين الملكين بالإضافة إلى وجود براهين أركيولوجية تؤكد أقدمية  الأول عن الثانى
...........  و لاريب أن الدراسة التى تقدم بها عالم  المصريات الألمانى ( helck ) قد حسمت كثيرا من الجدل الدائر حول هوية الملك  ( مينا ) فكانت أبرز النتائج العلمية التى تقدم بها  تتمثل فى تفنيد  القرائن التى تجعل من الملك ( مينا ) شخصا تاريخيا للأسباب التالية :
1 - إن العلامة التصويرية التى قرأها البعض ( مني ) هى قراءة خاطئة ، فهى لا تشير من قريب أو بعيد للمنطوق اللفظى ( مني )
2 - إن القائمة الملكية الوحيدة التى تعود لعصر الدولة القديمة ( حجر  بالرمو ) لا تذكر إسم ( مني ) كموحد للقطرين و كمؤسس للأسرة الأولى ، بل  تذكر ( حور عحا ) كمؤسس حقيقى لتلك الأسرة
3 - لا توجد أى مقبرة فعلية  لهذا الملك ، فمقبرة ( نقادة ) التى كانت تنسب له ، ثبت لدينا أنها مقبرة  للملكة ( نيت حوتب ) زوجة الملك ( نعرمر ) ، كما أن مقبرة ( سقارة ) التى  كانت تنسب له أيضا بإعتباره ( حور عحا ) ، تأكد لدينا أنها مقبرة أحد كبار  رجال الدولة الذين عاشوا فى عصر الملك ( حور عحا )
4 - إن المنطوق  اللفظى ( مني ) لم يظهر قبل عصر الدولة الحديثة على قوائم الملوك ، فهو  الإسم الذى أوجده كهنة مصر آنذاك لتحديد نقطة بداية للملكية المصرية و  تعيين هوية أول من حكم مصر و لا سيما و أن الوثائق الخاصة بالفترة التى  توحدت فيها البلاد لم تكن واضحة و قاطعة فى هذا الصدد و لاشك أن عدم إكتمال  مقومات الكتابة المصرية القديمة فى ذلك الوقت جعل الحدث نفسه ( توحيد مصر )  يقع فى ضباب النسيان ، فاختاروا إسم ( مني ) بمعنى ( الدائم / الخالد /  المثبت ) فكان ذلك لقبا أكثر منه إسما
5 - لم تكن هناك عبادة للملك (  مني ) على الإطلاق قبل عصر الدولة الحديثة فلو كان هو الموحد الفعلى  للقطرين فكيف تجاهله المصريون حتى نهاية عصر الإنتقال الثانى ؟
6 - لا  يجوز أن نعتبر ( وحدة مصر السياسية ) حدث قام به ملك واحد ، فقد أظهرت  الدراسات الحديثة أن بدايات الوحدة المصرية تمت على خمس مراحل تدريجية خلال  مايعرف ب ( الأسرة صفر ) ، و أن آخر ملوكها ( نعرمر ) أتم و أكمل جهود  أسلافه من الملوك و لايصح أن ننظر إلى صلاية الملك ( نعرمر ) على أنها تسجل  حدث قيام الوحدة بعدما تبين لنا أن ( وحدة مصر ) ربما قد إكتملت قبل عصره و  أن تفسير مناظر الصلاية حاليا ينحو منحى ( دينى سياسى دعائى ) أكثر منه (  تاريخى )
7 - كشفت البعثة الألمانية عن طبعتى ختم فى أم الجعاب و نقش  عليهما أسماء ملوك الأسرة الأولى ( و هى أقدم قائمة ملوك فى الحضارة  المصرية ) ، حيث بدأت القائمة بالملك ( نعرمر ) آخر ملوك الأسرة صفر ، و  كان الإسم الذى يليه مباشرة ( حور عحا ) أول ملوك الأسرة الأولى دون أى ذكر  لإسم ( مني ) مما يعكس أنه لا وجود لملك حكم مصر بإسمه فى تلك الفترة و أن  ( نعرمر ) و ( حور عحا ) ملكين مختلفين .
8 - كشفت الحفائر عن وجود مدينة ( منف ) منذ نهاية عصر نقادة الثانية على اقل تقدير ( حوالى عام 3300 ق.م ) أى قبل عصر الأسرة ( صفر ) بمائة سنة تقريبا مما يعكس أنها كانت موجودة على مسرح الأحداث قبل أن تتوحد البلاد بفترة طويلة و أن نشأتها لم ترتبط بملك أوجدها كما أشارت المصادر المصرية فى العصر المتأخر

ثقافة مصر السياسية و الدينية خلال عصر نقادة الثانية


ثقافة مصر السياسية و الدينية خلال عصر نقادة الثانية
............................................................
 تعتبر  حضارة مصر فى عصر نقادة الثانية واحدة من أهم المراحل الحضارية فى عصور ما  قبل الأسرات فى مصر ، فهى تمثل المرحلة الحضارية الثانية لتلك العصور  فتبدأ من 3600   ق . م و حتى 3200 ق . م تقريبا  . و إتفق علماء ما قبل  التاريخ فى مصر على تقسيم حضارة ذلك العصر الى أربع فترات متعاقبة و هى  نقادة أ و نقادة ب و نقادة ج و نقادة د . و تميز ذلك العصر بوجود مراكز  دينية و سياسية كبرى فى الشمال و الجنوب إعتبرها البعض أقاليم مصر فى عصر  نقادة الثانية أو ممالك صغرى على أقل تقدير ، فترأس كل إقليم أو مملكة صغرى  زعيم سياسي و روحى أشرف على جميع الأمور التجارية و الدينية فى مملكته فى  ذلك العصر . و كانت أشهر مراكز ذلك العصر هى : عين شمس و بوتو و المعادي و  سايس و نقادة و نخن و أبيدوس و العضايمة و الهو و الجبلين و أرمنت و  إلفنتين و غيرها من المراكز الأخرى
إن التساؤلات التى تحاول هذه الدراسة الموجزة أن تجيب عليها هى :
1 ما هو الوضع الحضارى لمصر فى عصر نقادة الثانية ؟
2 هل تميزت المراكز الشمالية و الجنوبية بوجود وحدة ثقافية أم كان كل مركز متميز و مستقل حضاريا و ثقافيا عن الآخر ؟
3 هل كانت حضارة نقادة الثانية مرحلة ممهدة لوحدة مصر السياسية ؟
إستهلت مصر عهدا جديدا فى عصر نقادة الثانية ، فتفاعل المصري القديم مع  بيئته بشكل أفضل مما سبق من العصور السالفة و لا سيما بعد أن تمكن من فهم و  إستيعاب إمكانيات بيئته التى طال إستقراره فيها ، فقام بإستغلالها على نحو  أفضل ، الأمر الذي تكشف عنه المنشآت المدنية فى ذلك العصر و لا سيما  المساكن ، فتميزت بما يلي 1 – إزدادت القرى و المدن السكنية و تطورت خلال  عصر نقادة الثانية حيث ظهر تطور ملحوظ فى طراز المساكن و ملحقاتها و مواد  بنائها
2 تطورت مدينة نخن فى ذلك العصر و ظهرت بها المساكن  المستطيلة التى شيدت جدرانها على أساسات حجرية ، و هى واحدة من أقدم  المحاولات فى مصر لإستخدام الحجر كمادة بناء فى مساكن تلك الفترة
3   أمدتنا زخارف و رسومات فخار نقادة الثانية ببعض المعلومات عن أشكال المساكن  و مواد بنائها ، و ذلك من خلال ما رسموه من كبائن المراكب على أوانى  الفخار ، التى شابهت فى هيئتها و أسلوب تشييدها أكواخ السكن و هياكل  المعبودات
4 أهم ما يمكن إستنباطه من تلك الكبائن المرسومة هو  المواد المستخدمة فى البناء فى ذلك العصر و هى أفرع الأشجار و أغصان و فروع  النخيل و النباتات المجدولة فى ألياف ، علاوة على طرز الأسقف المختلفة و  منها السقف المسطح و السقف المقبي و السقف على شكل نصف قبة . ألم تكن هذه  المواد البنائية و الأشكال السكنية هى ذات المواد المستخدمة و الهيئات  العروفة للمساكن فى عصر الأسرات المبكر فى مصر ؟
5 أفضل نماذج لشكل  المساكن خلال تلك الفترة هو ما تعرفنا عليه من خلال نموذج بيت لأحد الزعماء  ، كشف عنه فى أحد مقابر المحاسنة ، مصنوع من الطمى المحروق ، ظهر فيه شكل  المسكن على هيئة مستطيلة ذو زوايا مربعة و جدران مائلة للداخل ، فضلا عن  وجود قاعدة أضخم و أكبر مقارنة بالقمة ، مما يعنى زيادة سمك المداميك  السفلية عن المداميك العلوية ، و لا نستبعد وجود مثل هذا الشكل السكنى  الهام فى بعض المراكز الأخرى ، الأمر الذي يقودنا إلى حقيقة هامة و هى :  وجود معرفة تهيدية بقواعد و مبادىء الهندسة البنائية فى مصر خلال عصر نقادة  الثانية
أما عن عادات الدفن و مقابر ذلك العصر نجد مجموعة من المعطيات الهامة تمثلت فيما يلي :
1 تنوعت أساليب بناء المقابر ، كما تنوعت أساليب بناء المنازل ، ففي  الوقت الذي إستمرت فيه المقابر البسيطة البيضاوية و المستطيلة زاد عليها  المقابر الدائرية و إتخذت المقابر الأشكال المستطيلة عندما كانت تسوى  جدرانها و تحدد جوانبها ، كما إنخفضت أرضية الحيز الذى تم وضع الجثة عليها
2 حفرت كوات صغيرة فى أحد جوانب المقبرة لوضع الأوانى فيها كما تم وضع  الأوانى و القرابين فى الجزء الأعلى للمقبرة فى حالات أخرى ، فظهر هذا  الجزء كأنه رف عريض ، و هى واحدة من المحاولات الأولى لفصل الأثاث الجنزى  عن مكان الدفن
3 كسيت جدران المقبرة من الداخل بطمى سميك و فى بعض  الأحيان بالطمى ثم البوص و الحصير ، فضلا عن وجود حالات ظهر فيها تكسية  بألواح خشبية مما يكشف عن أولى المحاولات لعمل توابيت خشبية تحيط بالمتوفى  من جميع الجهات
4 فى نهايات عصر نقادة الثانية ظهرت محاولات لتحديد  جوانب المقبرة بالطوب اللبن من الداخل مما أفضى إلى تحويل الحفرة ذاتها إلى  حجرة كاملة تم تسقيفها بعد ذلك
5 و فى نهايات ذلك العصر أيضا ،  ترجع المقبرة الشهيرة ، رقم 100 ، فى نخن التى تعرف بمقبرة الزعيم ، حيث  ظهرت فكرة الرسومات الجدارية للمقابر لأول مرة فيها ، فربما كان أحد  الزعماء المحليين لمدينة نخن ، و يمكن إعتباره الجد الأكبر لزعماء العصر  الذي يليه و هو عصر نقادة الثالثة – الأسرة صفر ، الذين خرجوا من منطقة نخن  لتوحيد مصر خلال تلك الفترة ( 3200 ق . م و حتى 3000 ق . م تقريبا ) ،  فظهر ضمن نقوشها و لأول مرة منظر قمع الأعداء بواسطة الزعيم ، فضلا عن أقدم  مناظر معروفة لإحتفال الحب السد ، حيث تم تصوير الزعيم داخل جوسق مرتديا  رداء حابك
إن أهم المعطيات الحضارية لعصر نقادة الثانية هو رسومات و زخارف الفخار التى كشفت عن مجموعة من النتائج الهامة هى :
1 صورت المراكب ذات المجاديف و الكبائن على نطاق واسع ، فشكلت بعض  مقدماتها و مؤخراتها هيئات حيوانية ، مما يدل على وجود معبودات ذات رموز و  أشكال حيوانية كانت تجرى لها شعائر تقديس فى ذلك العصر ، مما يؤكد وجود  هياكل و مقاصير صغرى فى تلك الفترة منتشرة بين الشمال و الجنوب
2   تعتبر صور المراكب هى القاسم المشترك فى معظم زخارف الفخار خلال هذه  المرحلة . و يعكس ذلك بدوره على مدى ما تشير إليه تقدم صناعة المركب فى ذلك  العصر
3 تدل هذه المراكب من خلال رسوم الفخار على إستخدام النيل  منذ ذلك العصر كأهم طريق للنقل و المواصلات من الشمال الى الجنوب أو العكس  مما يؤكد وجود تبادل المنتجات التجارية و الأفكار الدينية و الثقافية بين  مراكز الشمال و مراكز الجنوب الأمر الذي ساعد على وجود تفاعل ثقافى هام بين  هذه المراكز ، فكان ذلك التبادل خطوة أولى نحو خلق وحدة ثقافية تمهيدية فى  عصر نقادة الثانية
يتبين لنا مما تقدم أن البوتقة الثقافية و  الحضارية لمصر خلال عصر نقادة الثانية هو أمر غير مستبعد من خلال تناول  الشواهد الأثرية السابقة ، إلا أن ذلك لا يعنى على الإطلاق أن هذه المراكز  السياسية الكبرى لم تتميز بوجود خصوصية ثقافية مستقلة فى كل منها ، فوحدة  البلاد الثقافية لم تلغى التمايز و الإستقلال الحضاري لمراكز الجنوب و  الشمال فى عصر نقادة الثانية ، فكانت هناك سمات مشتركة تجمع بينهم و سمات  مميزة و مختلفة تميز كلا منهم عن الأخرى
و مما لا ريب فيه أن ذلك  التفاعل الثقافي كان خطوة أولى نحو تفاعل أكبر و أعمق فى العصر الذي تلاه و  هو عصر نقادة الثالثة – الأسرة صفر مما يؤكد حقيقة هامة و هى : وجود وحدة  ثقافية فى مصر ساعدت على إتمام الوحدة السياسية كنتيجة طبيعية للمعطيات  السابقة
و بذلك يمكن القول أن عصر نقادة الثانية هو عصر شهدت فيه البلاد تقدما سياسيا واضحا من خلال مفهوم الزعامة و السيادة على الإقليم أو المركز ، فظهرت الرسوم و الزخارف التى تروج سياسيا و دينيا لمفهوم الملكية الناشئة و التى برزت إرهاصاتها الأولى من خلال ذلك العصر إلى أن تبلورت فى عصر نقادة الثالثة – الأسرة صفر ، فجاءت على شكل ناضج و قوي

رؤية عامة على السمات الحضارية لعصر الإنتقال الأول

رؤية عامة على السمات الحضارية لعصر الإنتقال الأول


يشير  عصر الإنتقال الأول إلى الفترة التى بدأت فيها إنهيار السلطة المركزية  الملكية ، حيث إختلف علماء المصريات فى بداية تحديدها و مداها الزمنى ،  فرأى فريق منهم أنها تبدأ بنهاية الأسرة السادسة ، و رأى فريق آخر أنها  تبدأ بنهاية الأسرة الثامنة . كما تنتهى تلك الفترة بإعادة توحيد البلاد  مرة أخرى على يد الملك منتوحتب الثانى . و يميل البحث بصفة مبدئية إلى  الأخذ بالرأى الثانى و لا سيما بعد إكتشاف شواهد أركيولوجية عديدة ترجح  وجود سلطة ملكية مركزية ( و إن إعتبرها البعض شكلية ) حتى نهايات الأسرة  الثامنة ، كما تجدر الإشارة إلى ذكر حقيقة هامة و هي : أن المؤرخ المصري  مانيتون وضع خطا بالمداد الأحمر تحت نهاية الأسرة الثامنة و بدأ بجمع سنين  حكم ملوك تلك الفترة ( منذ الأسرة الأولى و حتى نهاية الأسرة الثامنة )  الأمر الذي يعكس إمكانية و صلاحية وضع ذلك العصر بأكمله فى بوتقة واحدة و  هى بوتقة الدولة القديمة

إن التساؤلات التى تطرح نفسها علينا هي :
1 كيف نظر المصري القديم الى هذه الفترة فى العصور اللاحقة ؟
2 كيف كانت حال آثار ذلك العصر كما و كيفا ؟
3 كيف صور حكام الأقاليم أنفسهم فى ذلك العصر ؟
و للإجابة على التساؤلات السابقة ، نشير إلى الحقائق التالية :
1 لم تعكس قوائم الملوك وجود إنقطاع تاريخي فى السلطة المركزية منذ  نهاية عصر الدولة القديمة و حتى بداية عصر الدولة الوسطى ، فظهرت أسماء  الملوك واحدا تلو الآخر كما لو كانت مصر لم تمر بهذه الفترة الإنتقالية على  الإطلاق ، فالدولة الوسطى تلي مباشرة الدولة القديمة على القوائم الملكية ،  و لكن لا ينبغي تصديق ما ورد فى هذه القوائم الملكية التى ظهرت بالتحديد  خلال عصر الدولة الحديثة ، ( تورين - سقارة - أبيدوس ) بسبب أنها كانت تهدف  لتغطية الإنحلال و اللامركزية التى أصابت البلاد فى ذلك العصر ، فلم تكن  قوائم الملوك مادة لكتابة التاريخ و إنما كانت أداة لقياس الزمن و تنظيم  الترتيب الزمني لملكية مصر الأزلية و الأبدية
2 بدأ حكام الأقاليم  فى ذلك العصر فى تدوين الأحداث السياسية و الدينية لذلك الزمن ، فصوروا  أنفسهم داخل مقابرهم بوصفهم ملوكا على أقاليمهم فكانوا يؤرخون لحكمهم ، و  يعتبرون أنفسهم زعماء محليين تولوا زمام الأمور بموافقة شرعية من أرباب  أقاليمهم ، فعمل كل منهم على إصلاح الأمور السياسية و الدينية و الإقتصادية  داخل إقليمه و خرجت سيرتهم الذاتية على أفضل صورة  فصورتهم كأبطال قاموا  بإنقاذ أقاليمهم من المجاعات التى أصابت البلاد فأتت على الأخضر و اليابس
3 لا ينبغى أن نأخذ بكل ما ورد فى كتابات مقابر حكام أقاليم عصر  الإنتقال الأول على أنه صائب من الناحية العلمية التاريخية ، فلم يكن الهدف  هو كتابة التاريخ للأجيال القادمة داخل مقابرهم ، و إنما هو ذكر أعمالهم  الطيبة و أفضالهم و حسناتهم فى العالم الآخر . فضلا عن ذلك فقد ذكروا  لأنفسهم سيرة ذاتية مثالية نموذجية لا تنطبق على الواقع الإنسانى التاريخي  فضلا عن أن شواهد عصر الإنتقال الأول لا تنسجم و لا تتلائم مع معطيات  السيرة الذاتية لهم
4 يجب توخي الحذر عند دراسة نصوص و أدب عصر  الدولة الوسطى التى صورت عصر الإنتقال الأول كعصر مليء بالكوارث و الأزمات و  الفوضى ، فكان ذلك هو عمل سياسي أيدولوجي فى المقام الأول و الأخير ، يهدف  الى إظهار ملوك الدولة الوسطى كمنقذين من الكوارث و معيدين للسلام و  الأمان و الخير فى مصر ، فلم تكن لديهم خطة أخرى للوصول الى العرش و  تبريرهم لذلك الحدث سوى تصوير الملكية فى عصر الدولة الوسطى على أنها مرادف  للنظام و ذلك فى مقابل فوضوية عصر الإنتقال الأول و هى ذات الفكرة التى  إعتمد عليها الرعامسة فيما بعد فى تصوير عصر العمارنة الفوضوي ، فالملكية  لا يمكن تصورها كأداة ناجزة و كحالة مثالية إلا فى وجود عصر مظلم سبقها
5 -  إزدادت جبانات الأقاليم خلال عصر الإنتقال الأول ، فانتشرت المقابر  فى ربوع البلاد مما أكد على وجود زيادة سكانية فى مصر خلال ذلك العصر ، و  علاوة على ذلك ، فقد إزداد حجم الأثاث الجنزي فى تلك المقابر فى عدد كبير  من الأقاليم مما يكشف عن وجود ثراء نسبي فى أقاليم مصر خلال تلك الفترة ، و  هو أمر يناقض تماما ما ورد ذكره فى أدبيات الدولة الوسطى التى صورت  الإنهيار السياسي و الإقتصادي لمصر فى صورة بلاغية رمزية لا تتفق مع  المعطيات الأثرية لعصر الإنتقال الأول
6 لم يوجد إنقطاع فى آثار ذلك  العصر على الإطلاق ، فقد ظهرت قبور و مصاطب ضخمة الحجم فى جميع أقاليم مصر  ، بل و يمكن القول أن الحفائر الجديدة قد كشفت عن نتائج مذهلة تمثلت فى  وجود مصاطب و مقابر ذات رسوم و نقوش عالية الجودة و المهارة الفنية ، فقد  تم تنفيذها طبقا لأفضل و أجمل قواعد مدرسة منف الفنية الأمر الذي يعكس  إنتشار فناني منف نحو بعض الأقاليم المصرية خلال عصر الإنتقال الأول و بعد  إنهيار السلطة المركزية طلبا فى السعي وراء الرزق و لتلبية الإحتياجات  الفنية لطبقة إجتماعية جديدة
7 لم تكن كل مقابر الأقاليم فى ذلك  العصر قد نفذت رسومها و نقوشها طبقا لقواعد و مباديء مدرسة منف ، فقد منح  حكام الأقاليم فى منف الفرصة لأبناء و شعب أقاليمهم لكي يضعوا سمات الفنون  الإقليمية داخل مقابرهم و التى لم يكن من الممكن أن تظهر فى عصر الدولة  القديمة و فى ظل وجود سلطة مركزية قوية ، و لاريب أن سمات الفن الإقليمي  جاءت متواضعة إذا ما قورنت بسمات الفن الملكي لمدرسة منف
8 إستولى  حكام الأقاليم على بكرات الكتابة التى كانت محفوظة فى الأرشيف الملكي و  بدأوا يسجلون متونا دينية على جدران توابيتهم ، فكانت تلك الكتابات تضمن  لهم مصير أخروي طيب يضاهي مصير الملكية فى عصر الدولة القديمة . و عرفت هذه  النصوص بمتون التوابيت التى لم تكن سوى تطور دينى لنصوص الأهرام ، فبدأت  هذه المتون تصور الأفراد بشكل عام و حكام الأقاليم بشكل خاص فى أوضاع  سياسية و دينية جديدة تتفق وأوضاعهم الإجتماعية الجديدة كما كانت هذه  المتون تصور و تصف خريطة للعالم الآخر مصحوبة بنص مخصص لإرشاد المتوفى فى  طرق العالم الآخر ، الأمر الذي يدل على تطور الفكر الدينى فى مصر القديمة  خلال عصر الإنتقال الأول
9 لم يعد حاكم الإقليم يشير فى مقبرته إلى  فضل الملك عليه ، بل أصبح يتحدث عن سيرته الذاتية و يشير إلى شرعية حكمه  كحاكم على الإقليم بفضل إلهه المحلي الذي أعطاه الصفة القانونية لممارسة  سلطانه فى الإقليم ، فحاكم الإقليم لم يعتبر نفسه موظف لدى الملك و لا هو  ممثل للسلطة المركزية ، و إنما هو موظف مفوض من قبل إله الإقليم ذاته ، و  من هنا أصبح معبود الإقليم هو السلطان و الحاكم الحقيقي للإقليم الذي يأمر  أتباعه بالعمل فى الأقاليم من أجله ، فالأمر الجديد هنا هو أن المبادرة  السياسية أصبحت تأتي و لأول مرة من جانب الإله الذي حل محل الملك
10   ظهور قبور جماعية متعددة لصغار الموظفين بجوار مقابر حكام الأقاليم ، مما  يعكس وجود شخصية إجتماعية و سياسية جديدة و هى شخصية حاكم الإقليم الذي يعد  أصحابه و أنصاره فى العالم الآخر بمصير أخروي جيد إن هم دفنوا بجواره ،  فيتولى مسألة تموينهم بكل الخيرات و إمدادهم بجميع القرابين تماما كما كان  يفعل تجاههم خلا ل حياته ، فيجعل مصيرهم مرتبط بمصيره ، فمن يضع نفسه تحت  رحمته – كما جاء فى نصوص ذلك العصر – ينجو و يصل إلى طريق الأمان و السلامة  ، و لعلنا هنا نشير إلى أن ذلك الطرح الجديد هو ذات المفهوم الذي إرتكزت  عليه الأيدولوجية الملكية خلال عصر الدولة الوسطى
11 إهتمام حكام  الأقاليم بآلهتهم المحلية ، فقد كان ذلك هو السمة المميزة للحياة الدينية  فى ذلك العصر ، فقد كان الإله ( أوزير ) على سبيل المثال محط أنظار  الأقاليم التى دخلت فى صراع عسكري مسلح مع بعضها البعض ، فمن المعروف أنه  كان هو الإله المحلي لمدينة أبيدوس ، التى دارت حولها المعارك فى تلك  الفترة ، فقد ظهرت فكرة دينية تنادي بأن رأس المعبود أوزير دفنت فى تلك  المدينة ، كما حظيت عبادته بشعبية هائلة فى ذات العصر بفضل المجهودات التى  قام بها كهنة أوزير الذين قاموا بتمثيل أسطورة حياته و وفاته و إنتصاره على  الموت و ذلك أمام عامة الشعب فى أبيدوس و سمح أنصاره لبعض الأهالي  بالإشتراك فى تلك الإحتفالات مما ترك أثرا دينيا كبيرا فى وجدان المصريين ،  الأمر الذي يشهد عليه وجود شواهد و نصب لمقابر العامة التى دونت عليها  دعوات و توسلات للخروج من القبر بعد الوفاة لمشاهدة تلك الإحتفالات كما  كانوا ييشاهدونها خلال حياتهم

رحلة الإله أوزير للعالم الآخر


من المناظر النادرة
هذا المنظر .... يوجد بمقصورة الإمبراطور هادريان ... بمعابد فيلة ...
منظر صغير بالحائط الجنوبى من الداخل ..... نرى فيه قرص الشمس بين الجبلين ( الأفق) يعبر على جسد التمساح 
ونرى بالأعلى النجوم و بأقصى الشمال الشمس ( النهار ) و بأقصى اليمين القمر (الليل) ... و نرى أيزيس واقفة على اليسار
و اعتقد انها مودعة
-----------------------
Ahmed Faheem
------------------------
تحياتى لك يا أستاذ أحمد أما عن هذا المنظر فهو فى مقصورة هدريان فى معبد فيلة و يصور أسطورة المعبد التى ورد ذكرها فى المقاصير الأوزيرية للمعبد و يظهر هنا المعبود حورس بجسد تمساح و رأس صقر و هو يقوم بحمل جسد أبيه أوزير المكفن الى مكان سري لا ضوضاء فيه و لا ازعاج و وصوله أخيرا إلى الجزيرة النباتية السرية ( جزيرة بجا ) حتى يقوم بدفنه فى أكثر الأماكن سرية داخل ذلك المكان و الذي تم تسميته بمكان الصمت ، فهو المكان الذي يكون فيه الكلام بالهمس حتى لا يتم إزعاج المعبود الراقد فى بجا - على حد تعبير نص الأسطورة - و تظهر عند ذيل التمساح المعبودة ايزيس و هى التى تخرج من معبدها مرة كل 10 ايام لزيارة قبر زوجها السري فتقوم بصب اللبن على جسد اوزير و النبيذ داخل الجزيرة بهدف احياء الجسد الأوزيري مرة كل 10 ايام و طبقا لما ورد فى اسطورة المعبد ، فلن تنقطع عنه هذه القرابين للأبد و المنظر هنا يصور دخول المعبودة ايزيس الى حجرة الدفن ذات الطبيعة النباتية و لا ريب أن إكتمال اعضاء جسد اوزير كما هو مصور فى لمنظر يعنى عودته للحياة و يعنى دخول الفيضان لأرض مصر و هنا الفيضان ينبع من المكان الذى دفن فيه داخل جزيرة بجا ، فالمنظر كله يصور القبر الأوزيري اما عن الشكل الدائري المرسوم فوق جسد اوزير فهو قرص القمر بإعتبار أوزير رب القمر و عندما يصل القمر الى شكله الكامل فذلك يعنى مرور 14 يوم و ذلك يعنى اكتمال عدد اعضاء الجسد الأوزيري الذين وصل عددهم هنا فى اسطورة المعبد الى 14 عضو و عندما تكتمل دورة القمر و يعود اوزير للحياة فى العالم الآخر و تثبت ملكيته على عرش مصر هناك فى العالم الآخر و لذا فهو يظهر كمعبود متوج على العرش كما ان تتويج اوزير فى العالم الآخر يعنى تثبيت شرعية ابنه حورس ( حور با غرد ) الذي سيتوج على عرش مصر فى عالم الدنيا فالمنظر هنا ذو طبيعة سياسية و يؤكد على المضامين الدينية للأسطورة الأوزيرية و نلاحظ فى اعلى المنظر وجود الهلال بداية الشهر القمري = بداية اقامة الشعائر الأوزيرية فى اول ايام الشهر و القمر المكتمل فى نهاية المنظر = نهاية الشعائر الأوزيرية بعد مرور 14 يوم و اكتمال اعضاء جسد اوزير و عودة اوزير للحياة اما عدد النجوم فهى 18 تمثل 18 اسبوع بما يعنى 180 يوم التى تعادل نصف السنة بإعتبار ان الأسبوع = 10 ايام فى الحضارة المصرية و ذلك يعنى عدم انقطاع الزمن و توالى الأسابيع بما يضمن عودة اوزير للحياة الذي يعنى وصول الفيضان لمصر و ذلك هو الرأى الأول اما الرأى الثانى ان عدد النجوم هى 18 لكى تمثل هنا مرور 18 يوم من الشهر القمري و الذي ينقصه 10 او 11 يوم لكى يكتمل القمر و يكتمل جسد اوزير بإعتبار ان القمر يتكون من 28 او 29 يوم كدورة شهرية و ذلك هو شرح المنظر الذي يلخص اسطورة معبد فيلة

شكوك حول بردية وستكار

 من الواضح أن بردية وستكار هى قصة يفترض أنها تتم فى حضور الملك ( خوفو ) وهى تحكى أن ( خوفو ) سمع عن ساحر يدعى ( جدى ) له القدرة على الإتيان بالخوارق و الإطلاع على المستقبل و أنه قد إستطاع بسحره أن يربط رقبة أوزة قام هو بقطعها ، إلا أنه رفض أن يقيم هذه التجربة على بشر عندما طلب منه الملك ذلك . ثم تنتقل القصة إلى أهم فقراتها التى تتحدث عن طلب الملك ( خوفو ) الذى وجهه إلى ( جدى ) حول رغبته فى بناء مقبرة ملكية تشابه فى تصميمها المعمارى مقبرة أو معبد الإله ( جحوتى ) ، و انه يريد الوصول إلى حقيقة تخطيطها المعمارى ، و هنا يعتذر الساحر للملك بأن ذلك الطلب لن يتحقق إلا فى عصر ثلاث ملوك ستلدهم إمرأة تدعى ( رود جدت ) هى زوجة كبير كهنة الشمس ( رع ) و انهم سينحدرون من صلب إله الشمس نفسه الذى سيتقمص شخصية زوج ( رود جدت ) و يضع بذرته الإلهية فى رحمها و هنا يقلق ( خوفو ) فيسارع ( جدى ) لكى يطمئنه بأن ذلك لن يحدث بعد وفاته و إنما سيتولى إبن ( خوفو ) العرش ثم يأتى حفيده كحاكم ثم ييتولى زمام الملكية واحد من أبناء إله الشمس ( رع ) . و ينبغى لنا أن نشير إلى مجموعة من الحقائق تحول دون التسليم المطلق لما ورد فى بردية وستكار وهى : 1 - لم تسجل هذه البردية فى عصر الدولة القديمة فأسلوبها اللغوى يشير إلى كتابتها فى عصر الدولة الوسطى إلا أن أقدم نسخة معروفة ترجع لنهاية عصر الإنتقال الثانى ( الأسرة السابعة عشرة ) مما يعنى أنها نقلت من نسخة أقدم زمنيا و ذلك يدل على ضرورة توخى الحذر فى قبول ماورد فيها من إشارات لاترقى لأن تكون حقائق تاريخية. 2 - أكدت حفائر دكتور ( طارق العوضى ) فى أبو صير أن ملوك الأسرة الخامسة كانوا منحدرين من ملوك الأسرة الرابعة و أن ألملك ( شبسسكاف ) - آخر ملوك الأسرة الرابعة كان أخا للملك ( اوسركاف ) - أول ملوك الأسرة الخامسة مما يعنى وجود تواصل عائلى بين الأسرتين الرابعة و الخامسة وهو مايناقض الفكرة التى ورد ذكرها فى بردية وستكار . 3 - لم تظهر أى ملكة فى الأسرة الرابعة أو الخامسة بإسم ( رود جدت ) على الآثار المصرية ، و هى التى أشارت لها البردية كأم لأول ثلاث ملوك من الأسرة الخامسة ، فالملكة المعروفة لدينا من خلال وثائق تلك الفترة هى ( خنت كاوس ) المدفونة فى الجيزة بجوار هرم ( منكاورع ) و لايمكن أن تكون هى ( رود جدت ) التى ورد إسمها فى بردية وستكار ، ف(خنت كاوس ) كانت بنت ملك و زوجة ملك و أم لملكين حكما مصر بينما ( رود جدت ) لم تنحدر من أصل ملكى مثلما تشير البردية . 4 - كبير كهنة الشمس طوال عصر الأسرة الرابعة هو إبن الملك و هو ماأكدته ألقاب الأمراء الملكيين المسجلة على آثارهم و ذلك يخالف ماورد ذكره فى بردية وستكار التى تشير إلى كبير كهنة الشمس بوصفه شخص من منشأ غير ملكى . 5 - جميع أسماء السحرة ( و حتى الساحر جدى ) الذين أشارت إليهم البردية لم تكن سوى أسماء شائعة فى عصر الدولة الوسطى و الحديثة و لم تظهر أبدا مثل هذه الأسماء خلال عصر الدولة القديمة . 6 - يظهر ( خوفو ) فى القصة محاطا بأبنائه حيث يقص كل إبن منهم على ابيه حكاية وقعت فى عصر سالف الأمر الذى يعنى أن ( خوفو ) كان متقدما فى السن و قبل أن يشيد مقبرته الهرمية مما جعل القلق يستولى عليه فكان ذلك هو الدافع وراء بحثه عن تصميم مقبرة الإله ( جحوتى ) لكى يجعل مقبرته مماثلة فى تصميمها لمقبرة ذلك المعبود و هو أمر يتناقض مع هو معروف من وثائق ذلك العصر التى تظهر بوضوح أن الملك فى عصر الدولة القديمة يبدأ فى تشييد هرمه فى العام الأول من حكمه و لا ينتظر كل ذلك الوقت الذى أشارت له البردية . 7 - كل ماورد فى القصة من أفكار حضارية هى من نبت عصر الدولة الوسطى التى أكدت نصوصها على أن إله الشمس ( رع ) يختار الملك و هو فى بطن أمه كإبن له من بين ملايين الناس و انه ليس من الضرورى ان يكون ذلك الملك منحدر من عائلة ملكية مما يعكس أن هذه القصة لاتشير من قريب و لا بعيد لأى أحداث تاريخية و قعت فى عصر الدولة القديمة

أهم المواضيع